سبيل التمكين في الأرض
سبيل التمكين في الأرض
كتبه : عبد الله الظفيري
تاريخ النشر : 11/12/2015
مرَّات القراءة : 1347 مرَّة

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم نلقاه أما بعد :


فإن الله تعالى خلق الخلق وهو العليم الحكيم يعلم ما يشقيهم وما يسعدهم ، وما يضرهم وما ينفعهم فأمرهم بأوامر العمل بها كفيل بسعادتهم ، ونهاهم عن نواه اقترافها سبب لتعاستهم ، والبعد عنها محقق لخيري الدنيا والآخرة بعد الإيمان والعمل الصالح . وكلما زاد العبد معرفة بكلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه و سلم وعمل بذلك كلما تحصل على السعادة وانشراح الصدر وطمأنينة القلب وعلى الرفعة الدنيوية و الأخروية . وقد أخبر الله تعالى بذلك حيث قال { قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى}طه 123 _ 126 قال ابن عباس رضي الله عنهما : تكفل الله لمن تمسك بالكتاب والسنة وعمل بهما أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة . وروى البيهقي في المدخل والخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله r يقول ] يا أيها الناس ، إنما العلم بالتعلم ، والفقه بالتفقه ، ومن يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ، وإنما يخشى الله من عباده العلماء ، ولن تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين ، لا يبالون من خالفهم ، ولا من ناوأهم حتى يأتي أمر الله ، وهم ظاهرون [ . وهذه الطائفة هم أهل العلم وأهل الحديث كما جاء عن كثير من أئمة الدين . وهذا العلم أثمر فيهم خيراً وخشية لله وظهوراً وغلبة على من خالفهم أو ناوأهم .


ولهذا فإن التمكين في الأرض مضمون لهم بإذن الله تعالى كما قال تعالى {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ }النور55 ، وكما قال تعالى في أهل العلم من بني إسرائيل {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ }السجدة24 قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ( وإنما تنال الإمامة في الدين بالصبر واليقين ) . واليقين ثمرة من ثمار العلم والعمل .


وكما قال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ }الصف14 . فهذه النصوص تبرهن على أن النصر و الظهور والغلبة للمؤمنين على عدوهم إنما هو ثمرة العلم وما يقتضيه من الإيمان والعمل الصالح .


يقول العلامة الشيخ المفسر الأصولي محمد الأمين بن محمد المختار الشنقيطي في رسالة (الإسلام دين كامل)، موضحاً كيف أن القرآن العظيم قد عالج مسألة الضعف عند المسلمين ، فقال رحمه الله تعالى ( وأما المسألة التاسعة التي هي مسألة ضعف المسلمين ،وقلة عددهم وعَددهم بالنسبة للكفار ، فقد أوضح الله جل وعلا علاجها ، فبين أنه إن علم من قلوب عباده الإخلاص كما ينبغي ، كان من نتائج ذلك الإخلاص أن يقهروا ويغلبوا من هو أقوى منهم ، ولذا لما علم عز وجل من أهل بيعة الرضوان الإخلاص كما ينبغي ، ونوه بإخلاصهم في قوله (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعوك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم )، بين من نتائج ذلك الإخلاص أنه تعالى يجعلهم قادرين على ما لم يقدروا عليه قال ( وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها ) فصرح بأنهم غير قادرين عليها ،وأنه أحاط بها ، فأقدرهم عليها ، وجعلها غنيمة لهم لما علم من إخلاصهم ، وذلك لما ضرب الكفار على المسلمين في غزوه الأحزاب ذلك الحصار العسكري العظيم المذكور في قوله تعالى ( إذا جاءكم من فوقكم ومن أسفل منكم إذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا * هنالك أبتلى المؤمنين وزلزلوا زلزالاً شديداً ) ، كان علاج هذا الضعف والحصار العسكري الإخلاص لله وقوة الإيمان به ، قال تعالى ( ولما رءا المؤمنين الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله * وما زادهم إلا إيمانا وتسليما ) ، فكان من نتائج ذلك الإخلاص ما ذكره الله بقوله ( ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال * وكان الله قويا عزيزا وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لهم تطؤها وكان الله على كل شيء قديرا) وهذا الذي نصرهم الله به ما كانوا يظنونه ، وهو الملائكة والريح (يأيها الذين امنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها ) . ولأجل هذا كان من الأدلة على صحة دين الإسلام أن الطائفة القليلة الضعيفة المتمسكة به تغلب الكثيرة القوية الكافرة (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله * والله مع الصابرين ) ولذلك سمى الله يوم بدر ( آية ) و (بينه ) و (فرقانا ) ، دلالته على صحة دين الإسلام ، قال تعالى (قد كان لكم آية فئتين التقتا ، فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة) وذلك يوم بدر قال تعالى ( ليهلك من هلك عن بينه ) وذلك يوم بدر على حققه بعضهم .


ولا شك أن غلبة الفئة القليلة المؤمنة للكثيرة القوية الكافرة دليل على أنها على حق ، وأن الله هو الذي نصرها ، كما قال في وقعة بدر ( ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة) وقال ( إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب ) والمؤمنين الذين وعدهم الله بالنصر وبين الله تعالى صفاتهم ، وميزهم بها عن غيرهم قال ( ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز ) . ثم ميزهم عن غيرهم بصفاتهم في قوله ( الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة و ءاتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر * ولله عاقبه الأمور ) ا.هـ .


وأهل السنة المتبعون للكتاب والسنة على ما كان عليه السلف الصالح هم أوفر الناس حظاً بهذا النصر والتمكين والظهور بخلاف غيرهم من أهل الأهواء من الجماعات الحزبية فإنهم يسعون ويخططون بأيديهم لتحقيق الثمار دون العمل بأسبابها ، والتي أعظمها الدعوة إلى التوحيد واتباع السنة .
فأهل السنة يعملون بما أمرهم الله به من الإيمان والعمل الصالح ويعتقدون أن الثمار المرجوة بيد الله تعالى، وأهل التحزبات يسعون لتحقيق الثمار واستعجالها بأيديهم وبالتخطيط لها بعقولهم وآرائهم مع تركهم المأمور به من الإيمان الصحيح أو العمل المستقيم أو الدعوة إلى التوحيد وتصحيح الاعتقاد .


وهذا ما كان عليه سلفنا الصالح من الصحابة والتابعين وأتباعهم وأئمة الدين والهدى . فلما فقهوا هذا حرصوا على الفقه في الدين ورحلوا في طلبه في البلدان والأمصار ، وعملوا بما أمرهم الله به من الإيمان والعمل الصالح فأثمر هذا فيهم تمكيناً في الأرض وعزةً وهيبة ونصراً وظهوراً على الأعداء ، وصدق فيهم قوله تعالى{إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ}غافر51. وقوله تعالى {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ }الحج40. ولا يتحقق لأحد ما تحقق لهم حتى يكون على سبيلهم، وهذا ما قاله الإمام مالك بن أنس رحمه الله لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها .


إن لنا أعظم العبر والدلائل على ذلك في هذا الزمان بالدولة السعودية التي حكمت الجزيرة العربية لما قامت على أمر الله ورسوله ، والدعوة إلى التوحيد والعقيدة السلفية ، وإلى اتباع الكتاب والسنة على ما كان عليه السلف الصالح ، كيف مكنها الله تعالى يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ عن دعوة شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله تعالى .


وكيف نصر الله أتباعه وجعلهم ملوكا في الأرض،عند تعليقه على قوله تعالى{ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء وَجَعَلَكُم مُّلُوكاً وَآتَاكُم مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِّن الْعَالَمِينَ } المائدة20 ، قال رحمه الله تعالى ( وأما قوله : (وَجَعَلَكُم مُّلُوكاً) فهذه نعمة جليلة ، يجب شكرها ، وتتعين رعايتها ، فإنها من أفضل النعم ، وأجلها، والشكر قيد النعمة ، إن شكرت : قرت ؛ وإن كفرت : فرت ؛ ولم تحصل هذه النعمة ، إلا باتباع الأنبياء ، وطاعة الرسل ؛ فإن بني إسرائيل ، إنما صاروا ملوك الأرض ، بعد فرعون وقومه ، باتباع موسى ، وطاعة الله ورسوله ، والصبر على ذلك ؛ قال تعالى {وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُواْ}الأعراف137.


وقد حصل باتباع محمد صلى الله عليه و سلم ، لمن آمن به ، من العرب، الأميين ، وغيرهم ، من أجناس الآدميين ، من الملك ، وميراث الأرض ، فوق ما حصل لبني إسرائيل ؛ فإنهم ملكوا الدنيا ، من أقصى المغرب ، إلى أقصى المشرق ؛ وحملت إليهم كنوز كسرى ، ملك الفرس ؛ وقيصر ، ملك الروم ؛ وصارت بلادهم ، وبلاد المغرب ، والمشرق ، ولاية لهم ، ورعية ، تنفذ فيها أحكامهم ، ويجبى إليهم خراجها .


ومكثوا على ذلك ظاهرين ، قاهرين لما سواهم من الأمم حتى وقع فيهم ما وقع في بني إسرائيل ، من الخروج عن اتباع الأنبياء ، وترك سياستهم ، والانهماك في أهوائهم، وشهواتهم ، فجاء الخلل ، وسلط العدو ، وتشتت الناس ، وتفرقت الكلمة ، وصارت الدولة الإسلامية ، يسوسها في كثير من البلاد ، في أوقات كثير من الملوك : أهل النفاق ، والزندقة ، والكفر ، والإلحاد ، والذين لا يبالون بسياسات الأنبياء ، وما جاؤوا به من عند الله ، وربما قصدوا معاكستهم ؛ فذهب الملك بذلك وضاعت الأمانة ، وفشا الظلم ، والخيانة ، وصار بأسهم بينهم ، وسلط عليهم العدو ، وأخذ كثيراً من البلاد ، ولم يقنع منهم إبليس عدو الله بهذا ، حتى أوقع كثيراً منهم في البدع ، والشرك ، وسعى في محو الإسلام بالكلية.


وكلما : بعد عهد الناس بالعلم ، وآثار الرسالة ، ونقص تمسكهم بعهود أنبيائهم ، تمكن الشيطان من مراده في أديانهم ، ونحلهم ، واعتقاداتهم ، ولكن من رحمة الله ، ومنته أن جعل في هذه الأمة ، بقية، وطائفة على الحق ظاهرين ، لا يضرهم من خذلهم ، حتى يأتي أمر الله ، وهم على ذلك ؛ وكلما حصل لهذه الطائفة قوة ، وسلطان ، في جهة ، أو بلد ، حصل من الملك ، والعز ، والظهور لهم ، بقدر تمسكهم بما جاء به محمدصلى الله عليه و سلم.


ولذلك : صار لشيخنا ، شيخ الإسلام : محمد بن عبدالوهاب ، رحمه الله ، ولطائفة من أنصاره ، من الملك ، والظهور ، والنصر، بحسب نصيبهم ، وحظهم من متابعة نبيهم صلى الله عليه و سلم ، التمسك بدينه ؛ فقهروا جمهور العرب ، من الشام إلى عُمان ، ومن الحيرة إلى اليمن ، وكلما كان أتباعهم ، وأنصارهم أقوى تمسكاً ، كانوا أعز و أظهر ؛ وربما نال منهم العدو ، وحصل عليهم من المصائب ، ما تقتضيه الذنوب والمخالفة ، والخروج عن متابعة نبيهم ، وما يعفو الله عنه من ذلك ، أكثر وأعظم .
والمقصود : أن كل خير ، ونصر وعز ، وسرور ، حصل ، فهو بسبب : متابعة الرسول صلى الله عليه و سلم ، وتقديم أمره ، في الفروع ، والأصول ). انتهى كلامه رحمه الله .


ولا يغرن إخواني هذه الحركات السياسية ، التي ألبست سياستها وبدعها لباس الدين والدعوة والجهاد ، والتي ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب والنقمة ، تزعم بسبلها تلك أنها تنصر الإسلام ، ولاهي والله نصرت ديناً ولا كسرت عدوا .


كالحركات الجهادية وحركة حماس الفلسطينية ، وجماعة الإنقاذ الجزائرية ، وقاعدة ابن لادن والظواهري ، والحركة الدستورية ، والحركة التي سمت نفسها بالسلفية العلمية وجمعية إحياء التراث الإسلامي التي حرف دفتها عبد الرحمن عبد الخالق إلى سبيل الحركات السياسية ، والحركة السرورية والقطبية وغيرها من الحركات الحزبية والتي انبثقت من الجماعة الأم حركة الإخوان المسلمين في مصر التي أسسها حسن البنا ثم مجددها الثاني سيد قطب . هذه الحركات التي ما انتجت للمسلمين إلا الويلات والفشل والتفرق والتنازع ، بل إنها وجهت سهامها إلى أبناء جلدتها .


وما فكر التكفير المنتشر بين كثير من شباب المسلمين اليوم إلا من نتاجهم . وما القتل والتفجير في أهل الإسلام إلا من وراء تربيتهم.


بل ما أعاد فكر الخوارج وألبسه لباس الجهاد إلا هذه الحركات الفكرية المنحرفة.


وأين هي عن مئات القبور التي تعبد من دون الله تعالى, المنتشرة في العالم الإسلامي والتي يطاف حولها ويتبرك بها ويموت على الاعتقاد بها مئات من المنتسبين للإسلام ؟هل أزالت شيئاً منها ؟وأين هي من البدع والموالد والطرق الصوفية ؟هل أنكرت شيئاً؟ هل غيرت شيئاً من ذالك؟
لقد أشغلت نفسها في صراعات سياسية , وتسابق على مجالس نيابية, وتجميع للجماهير على حساب العقيدة والسنة.


وكلهم مجمعون متفقون على معاداة أهل السنة وإلى موالاة أهل البدع,وأقل أحوال بعضهم التمييع في معاملة أهل البدع ,وترك سبيل السلف في هذا الباب .


فمن الذي أيد الثورة الخمينية وباركها إلا الإخوان المسلمون ,ومن الذي يجالس أهل الرفض والتشيع ، أو يدعو إلى أن لهم حقاً في تدريس مناهجهم في بلاد السنة ، أو يدعو إلى التقريب بينهم وبين أهل السنة ؟ حتى أدت هذه الفكرة الرائجة بينهم إلى تشيع بعض منسوبيهم ؟ !
أليس هؤلاء أصحاب الطرق السياسية, الذين ميعوا الدين والعقيدة, تحت قواعد شيطانية ,ما أنزل الله بها من سلطان ,مثل جمع الكلمة ومثل : نجتمع على ما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه .
ومن الذي أضاع جبهة الإنقاذ الجزائرية وصرفها من العلم والدعوة إلى السياسة والمظاهرات ثم التكفير والقتل والتشريد ,حتى وصل أن الابن يقتل أباه ؟! والمسلم يقتل أخاه ؟! وباسم الجهاد - زعموا - ؟!
إنها الدعوات السياسية الظالمة ,التي ملأت العالم الإسلامي جراحات ,وسلطت الأعداء على رقاب المسلمين .
فاعتبروا يا أهل الإسلام ,وتمسكوا بسبيل أهل الإيمان من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان .
يقول الإمام أبو عبدالله عبيدالله بن بطة العكبري رحمه الله في الإبانة - تعليقا على أحاديث ذكرها منها حديث النبي  صلى الله عليه و سلم بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ ، فطوبى للغرباء.قيل يا رسول الله ومن الغرباء ؟ قال .الذين يصلحون عند فساد الناس [ قال رحمه الله :- ( جعلنا الله وإياكم بكتاب الله عاملين ، وبسنة نبينا r متمسكين ، وللأئمة الخلفاء الراشدين المهديين متبعين ، ولآثار سلفنا وعلمائنا مقتفين ، وبهدي شيوخنا رحمة الله عليهم أجمعين مهتدين . فإن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه قد جعل في كل زمان فترة من الرسل ودروساً للأثر بم هو تعالى بلطفه بعباده ورفقه بأهل عنايته ومن سبقت له الرحمة في كتابه لا يخلي كل زمان من بقايا من أهل العلم وحملته يدعون من ضل إلى الهدى ويذودونهم عن الردى يصبرون منهم على الأذى ويحيون بكتاب الله الموتى ويبصرون بعون الله أهل العمى وبسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم أهل الجهالة والغباء).
لقد ضرب سلفنا الصالح أروع الأمثلة على حب العلم والرحلة في طلبه والصبر على ذلك . من ذلكم حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس رضي الله عنهما والذي لم تمنعه قرابته من رسول الله صلى الله عليه و سلم التواضع للعلم والبحث عنه عند أهله . فقد روى الدارمي رحمه الله تعالى في سننه عنه  أنه قال طلبت العلم فلم أجد أكثر منه في الأنصار فكنت آتي فأسأل عنه ، فيقال لي نائم . فأتوسد ردائي ثم اضطجع حتى يخرج إلى الظهر ، فيقول متى كنت ههنا يا ابن عم رسول الله صلى الله عليه و سلم؟ فأقول: منذ طويل، فيقول: بئس ما صنعت هلا أعلمتني !، فأقول: أردت أن تخرج إلي وقد قضيت حاجتك.


وروى الدارمي أيضاً عنه أنه قال : لما توفي رسول الله r قلت لرجل من الأنصار يا فلان هلم فلنسأل أصحاب النبي r فإنهم اليوم كثر ، فقال واعجباً لك يا ابن عباس أترى الناس يحتاجون إليك ، وفي الناس من أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم من ترى . فترك ذلك . وأقبلت على المسألة ، فإن كان ليبلغني الحديث عن الرجل فآتيه وهو قائل ، فأتوسد ردائي على بابه فتسفي الريح على وجهي التراب ، فيخرج فيراني ، فيقول يا ابن عم رسول الله : ما جاء بك ؟ ألا أرسلت إلي فآتيك ؟ فأقو ل أنا أحق أن آتيك ، فأسأله عن الحديث . قال فبقي الرجل حتى رآني وقد اجتمع الناس علي فقال كان هذا الفتى أعقل مني .


وروى الدارمي رحمه الله تعالى أيضاً في سننه عن أبي العالية رفيع بن مهران الرياحي رحمه الله تعالى وهو مولى امرأة من بني رياح (ت 93 ) قال كنا نسمع الرواية بالبصرة عن أصحاب رسول الله r فلم نرضى حتى ركبنا إلى المدينة فسمعناها من أفواههم .


والأخبار في ذلك كثيرة لا تحصى ، ومن شاء الاطلاع على ذلك لتشحذ همته ، فليرجع إلى كتاب الرحلة في طلب الحديث للخطيب البغدادي .
إن من توفيق الله للشاب أن يتربى على طلب العلم والحرص على مجالسة أهله . فعند ذلك ينشأ نشأة علمية وينفع الله به الإسلام والمسلمين إن شاء الله .


روى ابن بطة رحمه الله تعالى في الإبانة بسنده إلى عبدالله بن شوذب الخراساني رحمه الله تعالى (ت144) قال : إن من نعمة الله على الشاب إذا تنسك أن يواخي صاحب سنة يحمله عليها .
وعنه من طريق : من نعمة الله على الشاب والأعجمي إذا نسكا أن يوفقا لصاحب سنة يحملهما عليها لأن الأعجمي يأخذ فيه ما سبق إليه .
وروى أيضا عن عمرو بن قيس الملائي الكوفي رحمه الله تعالى (ت 146) قال :إذا رأيت الشاب أول ما ينشأ مع أهل السنة والجماعة فارجه , وإذا رأيته مع أهل البدع فا يئس منه فإن الشاب على أول نشوئه، وعنه أيضاً قال : إن الشاب لينشأ فإن آثر أن يجالس أهل العلم كاد أن يسلم ,وإن مال إلى غيرهم كاد يعطب .


ثم قال رحمه الله معلقاً : فانظروا رحمكم الله إلى من تصحبون وإلى من تجلسون ,واعرفوا كل إنسان بخدنه ,وكل أحد بصاحبه ,أعاذنا الله وإياكم من صحبة المفتونين ولا جعلنا وإياكم من إخوان العابثين ولا من أقران الشياطين و أستوهب لي ولكم عصمة من الضلال وعافية من قبيح الفعال. (الإبانة 1/204ـــ206).


بل إن هذا السبيل هو نجاة له وفلاح وفوز في الدار الآخرة . كما جاء في الصحيح عن أبي هريرة t أن النبي r قال ] سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ــ وذكر منهم ــ وشاب نشأ في عبادة الله [ ولا شك أن أعظم العبادة هو طلب العلم والفقه في الدين ، كما قال تعالى {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاء اللَّيْلِ سَاجِداً وَقَائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ }الزمر9 وكما قال تعالى {وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ }فاطر28.


فالمقصود أن طلب العلم من أعظم أنواع الجهاد والقربات إلى الله . وهو السبيل للحصول على مرضات رب العالمين والفوز بجنات النعيم وهو سبيل التمكين في الأرض ، فالإيمان والعمل الصالح اللذان هما شرطا العزة والتمكين في الأرض لا يتحققان إلا بالعلم .


فنسأل الله عز وجل بمنه وكرمه أن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان وأن ينصر إخواننا أهل السنة دعاة التوحيد السالكين مسلك السلف الصالح وأن يهيئ لهم تلك الأسباب لتثمر فيهم إن شاء الله تعالى تمكيناً في الأرض ونصرة لدينهم وقهراً وغلبة على مناوئيهم ومخالفيهم من أهل الكفر والزندقة ومن أهل البدع والأهواء ، وأن يهيئ لهم أمناً في ديارهم وأنفسهم وأعراضهم ، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لايعلمون ، كما نسأله عز وجل أن يرزقنا وإياهم الفقه في الدين ,وأن يزيدنا علماً ,وثباتاً على السنة ,وأن يجعلنا عاملين بها داعين إليها .

وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

القائمة البريدية
ادخل البريد ليصلك جديد الموقع









من إصداراتنا

© جميع الحقوق محفوظة 1437
لموقع الشيخ عبدالله بن صلفيق الظفيري حفظه الله