الأعمال بالخواتيم ، وإجراء الأمور على ظواهرها
الأعمال بالخواتيم ، وإجراء الأمور على ظواهرها
كتبه : عبد الله الظفيري
تاريخ النشر : 11/12/2015
مرَّات القراءة : 1975 مرَّة

الحمد لله رب العالمين ، الرحمن الرحيم ، مالك يوم الدين ، بيده مقاليد السموت والأرضين ، ونواصي الجن والإنس أجمعين ، ماض فيهم حكمه ، عدل فيهم قضاؤه سبقت رحمته غضبه ، له الحكمة التامة ، والحجة البالغة ، يهدي من يشاء رحمة وفضلا ، ويضل من يشاء حكمة وعدلا ، له ما في السموت وما في الأرض ، يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ، وهو الغفور الرحيم ، يعلم خفايا القلوب ، وسرائر الصدور ، فيوفق للتوبة من يشاء ويختم له بالصالحات ولو لم يعمل خيرا قط ، ويختم بسوء العمل لمن يشاء ولو عمل بعمل أهل الجنة فيما يرى للناس .

 

وصلى الله وسلم وبارك على من بعثه الله بالحنيفية السمحة ، والرحمة والرأفة ، الذي هو أرحم بالعباد من الأم بولدها نبينا محمد بن عبد الله ، وصفه الله تعالى فقال ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم ، حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ) وعلى آله وصحبه الغر الميامين ، وأهل الفقه في الدين ، واليقين المتين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين ، أما بعد :

 

فإن الله عز وجل تواب رحيم ، وعليم حكيم ، يتوب على من يشاء من عباده ، وهو عز وجل أشد فرحا بتوبة عبده من رجل في صحراء قاحلة ، ضلت عنه راحلته وعليها زاده وشرابه ثم وجدها لقد تاب الله على المشركين المحاربين لله ورسوله ، عابدي الأوثان والأصنام ، لما أنابوا إلى الرحمن ، وعلم الله ما في قلوبهم ، فكانوا بعد ذلك دعاة رحمة ، وقادة جهاد في سبيل الله ، وكثرت تحت رايتهم الفتوحات ودخل الناس بسببهم في دين الله أفرادا ً وجماعات

 

وتاب الله على وحشي قاتل حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه أحب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والملقب بأسد الله ، بل حسن إسلامه ووفقه الله لقتل عدو الله مسيلمة الكذاب كما جاء في صحيح البخاري في كتاب المغازي : باب قتل حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه من حديث جعفر بن عمرو بن أمية وعبيد الله بن عدي بن الخيار وسؤالهم لوحشي عن قتل حمزة وفيه أن وحشي قال ( فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج مسيلمة الكذاب ، قلت : لأخرجن إلى مسيلمة لعلي أقتله فأكافىء به حمزة ، قال : فخرجت مع الناس فكان من أمره ماكان ، فإذا رجل قائم في ثلمة جدار كأنه جمل أورق ثائر الرأس ، قال : فرميته بحربتي فوضعتها بين ثدييه حتى خرجت من بين كتفيه ، قال : ووثب إليه رجل من الأنصار فضربه بالسيف على هامته قال عبد الله بن عمر: قالت جارية على ظهر بيت : وا أمير المؤمنين قتله العبد الأسود . وتاب الله على من قتل مائة نفس لما علم الله منه صدق الإنابة وأعانه على التوبة النصوح ، وجادلت عنه ملائكة الرحمة ملائكة العذاب ، وقرب الله له القرية الصالحة ليفوز بالرحمة ، فعن أبي سعيد رضـي الله عنـه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( كان في بني إسرائيل رجل قتل تسعة وتسعين إنسانا ثم خرج يسأل ، فأتى راهبا فسأله فقال له : توبة ؟ قال : لا ، فقتله ، فجعل يسأل ، فقال له رجل : ائت قرية كذا وكذا ، فأدركه الموت فناء بصدره نحوها ، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب ، فأوحى الله إلى هذه أن تقربي ، وأوحى إلى هذه أن تباعدي ، وقال : قيسوا ما بينهما ، فوجد إلى هذه أقرب بشبر فغفر له ) .

 

وروى البخاري في صحيحه عن أسامة قال كان ابن لبعض بنات النبي صلى الله عليه وسلم يقضي فأرسلت إليه أن يأتيها فأرسل ( إن لله ماأعطى ، وكل إلى أجل مسمى ، فلتصبر ولتحتسب ) فأرسلت إليه فأقسمت عليه فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وقمت ومعه معاذ بن جبل ، وأبي بن كعب ، وعبادة بن الصامت ، فلما دخلنا ناولوا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبي ، ونفسه تقلقل في صدره - حسبته قال - كأنها شنة ، فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال سعد بن عبادة : أتبكي ؟ فقال : ( إنما يرحم الله من عباده الرحماء ) بل إنه صلى الله عليه وسلم من رحمته أنه كان يصلي على المنافقين الذين لم يعلم بكفرهم ولم يأت النهي عن الصلاة عليهم ، فقد روى البخاري في كتاب الجنائز عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم أنه قال : لما مات عبد الله بن أبي بن سلول دعي له رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي عليه ، فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبت إليه فقلت : يا رسول الله أتصلي على ابن أبي ؟ وقد قال يوم كذا وكذا ، أعدد عليه قوله ، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ( أخر عني يا عمر ) فلما أكثرت عليه قال : (( إني خيرت فاخترت لو أعلم أني لو زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها )) قال : فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انصرف فلم يمكث إلا يسيرا حتى نزلت الآيتان في ( براءة )( ولاتصل على أحد منهم مات أبدا ) إلى قوله ( وهم فاسقون ) قال : فعجبت من جرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ ، والله ورسوله أعلم ) . ولهذا جاء في البخاري أيضا عن أنس رضي الله عنه قال : كان غلام يهودي يخدم النبي صلى الله عليه وسلم فمرض فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يعوده ، فقعد عند رأسه ، فقال له ( أسلم ) فنظر إلى أبيه وهو عنده ، فقال له : أطع أبا القاسم صلى الله عليه وسلم ، فأسلم فخرج النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو يقول ( الحمد لله الذي أنقذه من النار ) .

 

ولهذا فإن الشرع يلحظ خاتمة الإنسان ويراعيها ولو لم يعمل خيرا قط ، وهذا من رحمة الله تعالى التي سبقت غضبه ، ومن واسع فضله العظيم ، وكرمه العميم ، وقد يعمل الإنسان في حياته خيرا فيما يبدو للناس لكن يختم له بسوء خاتمة تظهر للناس ، لأمر خفي يعلمه الله عز وجل ، وهذا من حكمة الله تعالى وعلمه المحيط ، وأنه حكم عدل .

 

قال البخاري في صحيحه باب الأعمال بالخواتيم وما يخاف منها ، ثم ذكر بسنده عن سهل بن سعد الساعدي قال : نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى رجل يقاتل المشركين - وكان من أعظم المسلمين غناء ً عنهم - فقال : من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا ، فتبعه رجل ، فلم يزل على ذلك حتى جرح ، فاستعجل الموت فقال بذبابة سيفه فوضعه بين ثدييه فتحامل عليه حتى خرج من بين كتفيه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : إن العبد ليعمل - فيما يرى الناس - عمل أهل الجنة ، وإنه من أهل النار ، ويعمل - فيما يرى الناس - عمل أهل النار وهو من أهل الجنة ، وإنما الأعمال بالخواتيم ) .

 

قال ابن رجب الحنبلي تعليقا على هذا الحديث بلفظ (إن الرجل ليعمل عمل أهل الجنة فيما يبدو للناس....) الحديث ، قال( وقوله" فيما يبدو للناس" إشارة إلى أن باطن الأمر يكون بخلاف ذلك، وأن خاتمة السوء تكون بسبب دسيسة ٍ باطنةٍ للعبد لا يطلع عليها الناس ، إما من جهة عمل سيئ ٍ ونحو ذلك ، فتلك الخصلة الخفية توجب سوء الخاتمة عند الموت ، وكذلك قد يعمل الرجل عمل أهل النار، وفي باطنة خصلة خفية من خصال الخير ، فتغلب عليه تلك الخصلة في آخر عمره ، فتوجب له حسن الخاتمة).

 

وروى البخاري في كتاب القدر عن عبد الله بن مسعودـ رضي الله عنه ـ قال حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق قال : إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما ثم علقة مثل ذلك ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يبعث الله ملكا فيؤمر بأربع برزقه وأجله وشقي أو سعيد. ثم ينفخ فيه الروح . فوالله إن أحدكم أو الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها غير باع أو ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها ، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى مايكون بينه وبينها غير ذراع أو ذراعين فيسبق عليه الكتاب ، فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها).

 

وروى أحمد والنسائي والترمذي وحسنه الألباني عن عبد الله بن عمرو قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي يده كتابان، فقال : أتدرون ما هذا الكتابان ؟ فقلنا : لا يا رسول الله إلا أن تخبرنا، فقال للذي في يده اليمنى :" هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم ، ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا " ثم قال للذي في شماله :" هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم ، ثم أجمل على آخرهم فلا يزاد فيهم ولا ينقص منهم أبدا" فقال أصحابه : ففيم العمل يا رسول الله إن كان أمر قد فرغ منه ؟ فقال " سددوا وقاربوا فإن صاحب الجنة يختم له بعمل أهل الجنة ، وإن عمل أي عمل ، وإن صاحب النار يختم له بعمل أهل النار وإن عمل أي عمل . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيديه فنبذهما ،ثم قال ( فرغ ربكم من العباد ،فريق في الجنة، وفريق في السعير".

 

وروى مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إن الرجل ليعمل الزمان الطويل بعمل أهل الجنة ثم يختم له عمله بعمل أهل النار، وإن الرجل ليعمل الزمان الطويل بعمل أهل النار ثم يختم له عمله بعمل أهل الجنة ). قال ابن رجب الحنبلي رحمه الله وفي الجملة فالخواتيم ميراث السوابق ، وكل ذلك سبق في الكتاب السابق ، ومن هنا كان يشتد خوف السلف من سوء الخواتيم ،ومنهم من كان يقلق من ذكر السوابق ).

 

إن الله بحكمته وعدله إذا علم من عبده صدق القلب وحسن النية فإنه يوفقه لعمل صالح يختم عليه ،ولو عمل ما عمل من شر ، وإذا علم منه فساداً في قلبه فإنه يختم له بسوء خاتمة ،ولو عمل فيما يبدو للناس بعمل أهل الجنة ، بل قد يظهر حقيقة أمره للناس عبرة وموعظة للمؤمنين ، كما مر معنا من حديث سهل بن سعد في الرجل الذي أبلى بلاء ً حسناً وقاتل المشركين ، ولكن لما في قلبه من فساد لا يعلمه إلا الله فإنه ختم له بخاتمة سوء ،وإنما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم وعلم بحال خاتمته بوحي من الله تعالى تصديقاً لنبيه ،وبرهاناً على أنه رسول رب العالمين، ولهذا قال الصحابي الذي رآه قتل نفسه : يا رسول الله صدق الله حديثك ،قد انتحر فلان فقتل نفسه ). رواه البخاري.

 

وإن مما يدل على ذلك ماجاء في القرآن الكريم من قوله تعالى ( فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى ، وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى ، وما يغني عنه ماله إذا تردى).

 

روى البخاري في كتاب التفسير عن علي رضي الله عنه قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد ، فأتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقعد وقعدنا حوله ومعه مخصرة ، فنكس فجعل ينكت بمخصرته ،ثم قال: "ما منكم من أحد، وما من نفس منفوسه إلا كتب مكانها من الجنة والنار،وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة " قال رجل : يا رسول الله ، أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل ، فمن كان منا من أهل السعادة فسيصير إلى أهل السعادة ،ومن كان منا من أهل الشقاء فسيصير إلى عمل أهل الشقاء ؟ قال:" أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة ، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاء " ثم قرأ ( فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى...) الآيه.

 

وروى الترمذي ـ وصححه الألباني ـ عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن الله إذا أراد بعبد خيراً استعمله ". فقيل : كيف يستعمله يا رسول الله ؟ قال يوفقه لعمل صالح قبل الموت".

 

ولأجل هذا فإن الحكم على الآخرين إنما يكون بظواهر الأمور وعلى ما يختم عليه العبد ، والخفايا والسرائر إنما يترك علمها للخبير العليم الذي يعلم السر وأخفى.

 

قال البخاري رحمه الله في صحيحه في كتاب الجنائز باب إذا قال المشرك عند الموت لا إله إلا الله . ثم ذكر بسنده إلى سعيد بن المسيب عن أبيه أنه أخبره أنه لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي طالب : " يا عم ، قل لا إله إلا الله ، كلمة أشهد لك بها عند الله ". فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية : يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعودان بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم ، هو على ملة عبد المطلب ، وأبى أن يقول لا إله إلا الله . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أما والله لأستغفرن لك مالم أنه عنك ، فأنزل الله تعالى فيه (ما كان للنبي ...) الآية.

 

قال ابن حجر رحمه الله :- وفي الحديث أن من لم يعمل خيرا ً قط إذا ختم عمره بشهادة أن لا إله إلا الله حكم بإسلامه وأجريت عليه أحكام المسلمين . قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في كتاب التوحيد عن هذا الحديث : فيه مسائل : الحادية عشرة : الشاهد لكون الأعمال بالخواتيم ، لأنه لوقالها لنفعته .

 

قال عبد الرحمن بن حسن في فتح المجيد : قوله ( أحاج لك بها عند الله ) : فيه دليل على أن الأعمال بالخواتيم ، لأنه لو قالها في تلك الحال معتقدا مادلت عليه مطابقة من النفي والإثبات لنفعته .

 

وترجم النووي على صحيح مسلم لهذا الحديث فقال : ( باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت مالم يشرع في النزع وهو الغرغره ) .

 

وروى مسلم في صحيحه عن أسامة بن زيد قال : بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية ، فصبحنا الحرقات من جهينة فأدركت رجلا فقال : لا إله إلا الله ، فطعنته فوقع في نفسي من ذلك ، فذكرته للنبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أقال لا إله إلا الله وقتلته ؟ قال : قلت يا رسول الله إنما قالها خوفا من السلاح . قال : أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم : أقالها أم لا . فما زال يكررها علي حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ ) . وفي رواية ( فلما قدمنا بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال لي : يا أسامة ، أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله ؟ قلت يا رسول الله إنما كان متعوذا ، قال ، فقال : أقتلته بعد ما قال لا إله إلا الله ؟ قال فمازال يكررها علي حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم ) . وفي رواية ( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث بعثا من المسلمين إلى قوم من المشركين ، وإنهم التقوا فكان رجل من المشركين إذا شاء أن يقصد إلى رجل من المسلمين قصد له فقتله ، وإن رجلا من المسلمين قصد غفلته ، فقال : وكنا نتحدث أنه أسامة بن زيد ، فلما رجع إليه السيف قال لا إله إلا الله ، فقتله ، فجاء البشير إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فسأله فأخبره ، حتى أخبره خبر الرجل كيف صنع ، فدعاه فسأله ، فقال : لم قتلته ؟ قال : يا رسول الله أوجع في المسلمين ، وقتل فلانا وفلانا وسمى له نفرا ، وإني حملت عليه ، فلما رأى السيف قال لا إله إلا الله . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أقتلته ؟ قال : نعم . قال : فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة ؟ قال : يا رسول الله استغفر لي ، قال : فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة ؟ فقال : فجعل لا يزيده على أن يقول : كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة ) .

 

وجاء في صحيح البخاري في كتاب الديات بلفظ ( ولحقت أنا ورجل من الأنصار رجلا منهم ، قال : فلما غشيناه قال : لا إله إلا الله . قال : فكف عنه الأنصاري ، وطعنته برمحي حتى قتلته ) .

 

فانظر كيف يعظم النبي صلى الله عليه وسلم كلمة الشهادة . وأنها تعصم النفس والدم ، وأنه يجب أن يعامل قائلها بظاهره ، ويوكل سريرته إلى العليم الخبير .

 

وقد أورد هذا الحديث الإمام النووي في رياض الصالحين ، وترجم له فقال :- باب إجراء أحكام الناس على الظاهر وسرائرهم إلى الله تعالى .

 

قال الشيخ محمد بن عثيمين في شرح هذا الباب ( أما في الدنيا بالنسبة لنا مع غيرنا فالواجب إجراء الناس على ظواهرهم ، لأننا لا نعلم الغيب ، ولا نعلم ما في القلوب ، ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها ، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : إنما أقضي بنحو ما أسمع . ولسنا مكلفين بأن نبحث عما في قلوب الناس ، ولهذا قال الله تعالى ( فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم ) يعني المشركين إن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ، فخلوا سبيلهم وأمرهم إلى الله ، إن الله غفور رحيم ، وقال النبي عليه الصلاة والسلام فيما رواه ابن عمر رضي الله عنهما " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا ً رسول الله ، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة ، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم ، وحسابهم على الله " وبذلك يكون العمل بالظواهر ، فإذا شهد إنسان أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا ً رسول الله وأقام الصلاة وآتى الزكاة ، عصم دمه وماله ، وحسابه على الله ، فليس لنا إلا الظاهر ) .

 

وقال أيضا ً عند شرح حديث أسامة ( بعث النبيُ صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد في سرية إلى الحرقة من جهينة ، فلما وصلوا إلى القوم وغشوهم هرب من المشركين رجل ، فلحقه أسامة ورجل من الأنصار يتبعانه يريدان قتله ، فلما أدركاه ، قال : لا إله إلا الله . أما الأنصاري فكان أفقه من أسامة ، فكف عنه ، تركه لما قال لا إله إلا الله . وأما أسامة فقتله - إلى أن قال رحمه الله :- فهذا دليل على أننا نحمل الناس في الدنيا على ظواهرهم ، أما ما في القلوب فموعده يوم القيامة ، تنكشف السرائر، ويحصل ما في الضمائر ) ثم قال رحمه الله ( وخلاصة ما تقدم أن الإنسان يعامل في الدنيا على الظاهر ، وأما يوم القيامة فعلى الباطن ) . أ.هـ .

 

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعامل الناس بحسب ظواهر هم ، وكان يصلي على المنافقين الذين لم يعلم بواطنهم ، وأما من علم باطنه بوحي الله له ونهاه عن الصلاة عليهم ، فكان يعاملهم بحسب ما جاءه من أمر الله تعالى .

 

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتاب الإيمان ( وكان النبي صلى الله عليه وسلم أولا يصلي عليهم ويستغفر لهم ، حتى نهاه الله عن ذلك فقال ( ولاتصل على أحد منهم مات أبدا و لا تقم على قبره ) وقال ( استغفر لهم أولا تستغفر لهم ، إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم ) ، فلم يكن يصلي عليهم ولا يستغفر لهم ولكن دماؤهم وأموالهم معصومة لا يستحل منهم ما يستحله من الكفار الذين لا يظهرون أنهم مؤمنون ، بل يظهرون الكفر دون الإيمان ، فإنه صلى الله عليه وسلم قال : (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها ، وحسابهم على الله )) ، ولما قال لأسامة بن زيد : " أقتلته بعدما قال : لا إله إلا الله ؟ " قـال : إنما قـالها تـعوذا ً ، قال : " هلا شققت عن قلبه ؟ " وقال : " إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم " . وكان إذا استؤذن في قتل رجل يقول : " أليس يصلي ، أليس يتشهد ؟ " فإذا قيل له : إنه منافق . قال : " ذاك " . فكان صلى الله عليه وسلم حكمه في دمائهم وأموالهم كحكمه في دماء غيرهم لا يستحل منها شيئا ً إلا بأمر ظاهر ، مع أنه كان يعلم نفاق كثير منهم ، وفيهم من لم يكن يعلم نفاقه ، قال تعالى ( وممن حولكم من الأعراب منافقون ، ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم ، سنعذبهم مرتين ثم يردون إلى عذاب عظيم ) وكان من مات منهم صلى عليه المسلمون الذين لا يعلمون أنه منافق ، ومن علم أنه منافق لم يصل عليه . وكان عمر إذا مات ميت لم يصل عليه حتى يصلي عليه حذيفة ، لأن حذيفة كان قد علم أعيانهم ، وقد قال الله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن ، الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار ) فأمر بامتحانهن هنا ، وقال ( الله أعلم بإيمانهن ) .

 

والله تعالى لما أمر في الكفارة بعتق رقبة مؤمنة ، لم يكن على الناس ألا يعتقوا إلا من يعلموا أن الإيمان في قلبه ، فإن هذا كما لو قيل لهم : اقتلوا إلا من علمتم أن الإيمان في قلبه ، وهم لم يؤمروا أن ينقبوا عن قلوب الناس ، ولا يشقوا بطونهم ، فإذا رأوا رجلا ً يظهر الإيمان جاز لهم عتقه ، وصاحب الجارية لما سأل النبي صلى الله عليه وسلم هل هي مؤمنة ، إنما أراد الإيمان الظاهر الذي يفرق به بين المسلم والكافر ، وكذلك من عليه نذر لم يلزمه أن يعتق إلا من علم أن الإيمان في قلبه ، فإنه لا يعلم ذلك مطلقا ً ، بل ولاأحدا ً من الخلق يعلم ذلك مطلقا ً ، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم الخلق ، والله يقول له : ( وممن حولكم من الأعراب منافقون ، ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ) ، فأولئك إنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يحكم فيهم كحكمه في سائر المؤمنين ولو حضرت جنازة أحدهم صلى عليها ، ولم يكن منهيا ً عن الصلاة إلا على من علم نفاقه ، وإلا لزم أن ينقب عن قلوب الناس ويعلم سرائرهم ، وهذا لا يقدر عليه بشر .

 

وقال أيضا ً ( والمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أخبر عن تلك الأمة بالإيمان الظاهر الذي علقت به الأحكام الظاهرة ، وإلا فقد ثبت عنه أن سعدا ً لما شهد لرجل أنه مؤمن قال : أو مسلم . وكان يظهر من الإيمان ما تظهره الإيمان وزيادة ، فيجب أن يفرق بين أحكام المؤمنين الظاهرة التي يحكم فيها الناس في الدنيا ، وبين حكمهم في الآخرة بالثواب والعقاب) .

 

وقال أيضا ً ( وكذلك المنافقون الذين لم يظهروا نفاقهم يصلى عليهم إذا ماتوا ، ويدفنون في مقابر المسلمين من عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، والمقبرة التي كانت للمسلمين في حياته وحياة خلفائه وأصحابه يدفن فيها كل من أظهر الإيمان وإن كان منافقا ً في الباطن . ولم يكن للمنافقين مقبرة يتميزون بها عن المسلمين في شيء من ديار الإسلام كما تكون لليهود والنصارى مقبرة يتميزون بها . ومن دفن في مقابر المسلمين صلى عليه المسلمون ، والصلاة لا تجوز على من علم نفاقه بنص القرآن . فعلم أن ذلك بناء على الإيمان الظاهر ، والله يتولى السرائر . وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي عليهم ويستغفر لهم حتى نهي عن ذلك ، وعلل ذلك بالكفر. فكان ذلك دليلا ً على أن كل من لم يعلم أنه كافر في الباطن جازت الصلاة عليه والاستغفار له ، وإن كانت فيه بدعه وإن كان له ذنوب ) . أ.هـ

 

فالواجب أن يعامل الناس بحسب ظواهر هم وتوكل سرائرهم إلى الله عالم الخفيات ، خصوصا ً أيضا ً إذا رافق ذلك شهادة الناس . فإن الشرع يلحظ هذا ، وجعلها من علامات معرفة الخاتمة . فقد قال البخاري في صحيحة في كتاب الجنائز : باب ثناء الناس على الميت - ثم أورد حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال : مر بجنازة فأثنوا عليها خيرا ً ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " وجبت " ثم مروا بأخرى فأثنوا عليها شرا ً . فقال " وجبت " . فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ما وجبت ؟ قال : هذا أثنيتم عليه خيرا ً فوجبت له الجنة ، وهذا أثنيتم عليه شرا ً فوجبت له النار ، أنتم شهداء الله في الأرض " . وفي رواية ( شهادة القوم ، المؤمنون شهداء الله في الأرض ) .

 

وبسنده أيضا ً إلى أبي الأسود قال : قدمت المدينة وقد وقع بها مرض فجلست إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فمرت بهم جنازة فأثني على صاحبها خيرا ً ، فقال عمر رضي الله عنه : وجبت ثم مُر بأخرى فأثني على صاحبها خيرا ً، فقال عمر رضي الله عنه : وجبت . ثم مُر بالثالثة فأثني على صاحبها شرا ً ، فقال : وجبت . فقال أبو الأسود : فقلت : وما وجبت يا أمير المؤمنين ؟ قال : قلت كما قال النبي صلى الله عليه وسلم " أيما مسلم شهد له أربعة بخير أدخله الله الجنة " فقلنا : وثلاثة ؟ قال : وثلاثة . فقلنا : واثنان ؟ قال : واثنان . ثم لم نسأله عن الواحد ) .

 

ولهذا فإن السلف من فقههم أنهم كانوا يلحظون خواتيم الأعمال، ويعظمونها في نفوسهم ، فقد ذكر الذهبي في تاريخ الإسلام في ترجمة الحجاج بن يوسف الثقفي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال : ما حسدت الحجاج عدو الله على شيء حسدي إياه على حبه القرآن وإعطائه أهله ، وقوله حين احتضر : اللهم اغفر لي فإن الناس يزعمون أنك لا تفعل .

 

وثم مسألة وهو أنه لابد من التفريق بين من قد يحصل منه ردة حال حياته بأي نوع من أنواع الردة ثم أراد أن يتوب ، وبين من قد يحصل منه مثل ذلك ولم يصدر منه توبة علنية إلا أنه عند الموت نطق بالشهادة . فالأول لا تقبل توبته حتى يتبرأ مما كان سببا ً في ردته ، وأما الآخر فيؤخذ على ظاهره ويحكم له بالإسلام ، وتوكل سريرته إلى العليم الحكيم الرؤوف الرحيم ، وما سبق من أدلة تبرهن على ذلك . ولافرق في ذلك بين الكفر الأصلي وبين كفر الردة .

 

وثم مسألة أخرى ، وهي كيف الجمع بين ما سبق من أدلة والتي تبين أن الأعمال بالخواتيم ، وبين ما جاء في القرآن الكريم من عدم قبول توبة فرعون ، حيث قال الله تعالى ( وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا ً وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين ، ءالآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين ، فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية ، وإن كثيرا ً من الناس عن آياتنا لغافلون ) ؟ ! .

 

فالجواب أن الجمع بين ذلك أن هذا الحكم الذي حكمه الله في فرعون بعدم قبول توبته وأنه لا ينتفع بإيمانه حكم عيني لا حكما ً عاما ، لعلم الله عزوجل بكذبه وأنه غير صادق به ، وأنه قالها طلبا ً للنجاة لا إيمانا ً بالله ، فالله عز وجل يعلم ما في الضمائر و لا تخفى عليه السرائر . وأما غير فرعون من سائر الناس إنما يحكم عليه بما يظهر لنا ، ونكل السرائر إلى عالمها . ولهذا - كما سلف - كان النبي صلى الله عليه وسلم يعامل المنافقين بحسب ما يظهر له منهم ، ويكل سرائرهم إلى علام الغيوب ، إلا ما جاء الوحي ببيان حكمه فيهم .

 

فهذا ما أردت بيانه من هذا الموضوع العقدي الخطير ، والأدلة على وجوب تعظيم الشهادة عند الخاتمة ، وأن الأعمال بالخواتيم ، ووجوب معاملة الناس على ظواهرهم، وتفويض أمر السرائر والضمائر إلى علام الغيوب.

 

نسأل الله عز وجل أن يختم لنا بالصالحات ، وأن يثبت قلوبنا على دينه ، وأن يطهر صدورنا ، ويصلح سريرتنا، ويسل سقيمة قلوبنا ، كما نسأله أن يلهمنا رشدنا ، ويقينا شر نفوسنا ، وأن يرزقنا الفقه في الدين . وصلى الله وسلم وبارك على نبينا الرؤوف الرحيم ، والسراج المنير، وعلى آله وأصحابه وأتباعهم بإحسان إلى يوم الدين .

 

وكتبه الفقير إلى مولاه الرحيم الكريم

عبد الله بن صلفيق الظفيري

حفر الباطن

في العاشر من المحرم لعام 1428هـ

 

القائمة البريدية
ادخل البريد ليصلك جديد الموقع









من إصداراتنا

© جميع الحقوق محفوظة 1437
لموقع الشيخ عبدالله بن صلفيق الظفيري حفظه الله